تقاريرفلسطينمانشيت

الاحتلال يبحث عن صورة نصر: يريد رؤية علمه على مستشفى الشفاء وسيناريو صدام حسين.


يموت المرضى الفلسطينيون بصمت داخل مستشفيات قطاع غزة، بسبب نفاد الوقود والإمدادات الطبية، وانقطاع الأكسجين، على غرار ما أعلنته مصادر في مجمع الشفاء الطبي اليوم السبت. يودّعون الحياة على وقع دويّ الانفجارات جراء القصف الإسرائيلي الشديد المتواصل، بدل سماع أصوات أحباء يودعونهم، وقد يلحقون بهم في أي لحظة، فلا مكان آمناً في غزة.

طائرات وبوارج حربية، ودبابات ومدرعات محمّلة بالجنود، وأسلحة لا أول لها ولا آخر، كلها تقصف غزة وتحوّلها إلى حطام، تبيد أهلها وتدمّر مبانيها وتدفعها إلى كارثة إنسانية، جراء تكدّس جثث آلاف الشهداء وانتشار الأمراض، وكل هذا لا يشفي غليل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولا قيادته العسكرية، ولا قيادة إسرائيل السياسية، ولا حتى غليل شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، التي تريد دماءً أكثر، ولا تتنازل عن النيل من مستشفى الشفاء، الذي تحوّل إلى أحد رموز هذه الحرب الشعواء.

مراراً وتكراراً طالب الاحتلال الإسرائيلي بإخلاء المستشفى، بزعم وجود مقارّ لحركة حماس تحته، لكن القائمين على المستشفى الأهم والأكبر في قطاع غزة، أكدوا المرة تلو الأخرى، أنهم لن يتركوا المرضى، وسيبقون هناك حتى الرمق الأخير، بل استقطب المستشفى في محيطه الآلاف من الغزيين الذين دمر الاحتلال بيوتهم.

في هذه الأثناء، يحاول جيش الاحتلال الإسرائيلي، استعادة هيبته وترميم “قوة” الردع. يريد السيطرة على رمز واضح. على معلم يوحي بالصمود، فلعله يجد في ذلك عزاءً لرفع معنويات جنوده والفئات الإسرائيلية المؤيدة لقصف المشافي، المستسلمة للرواية الإسرائيلية بأن المشفى “قاعدة للإرهاب”، رغم الكثير من الشهادات التي تنسف هذه النظرية، لكن ربما ما يغيظ إسرائيل أكثر، تحدي المستشفى لها، وتحوّله إلى رمز للصمود.

يطوّق جيش الاحتلال الإسرائيلي مشافي غزة، ويدفع نحو إخلائها، ولا ينكر ذلك، ويبحث هناك عن صورة نصر لم تتحقق إلى اليوم في الحرب الشعواء المستمرة منذ 36 يوماً على قطاع غزة.

علم إسرائيل على مجمع الشفاء في رده على سؤال عن تحوّل الشفاء إلى رمز في هذه الحرب، وزعمه في مقدّمة النشرة الإخبارية وجود حماس في أنفاق تحت المستشفى، قال المعلّق العسكري للقناة 13 الإسرائيلية ألون بن دافيد، مساء أمس الجمعة: “أنا لا أعتقد أن قيادة حماس توجد هناك، ولكن أعتقد بوجود لواء أو اثنين، ونحن لم نتمكن بعد من ضرب قيادات الألوية، أو على الأقل ليس لدينا تأكيد لذلك”.

وأضاف بن دافيد: “مستشفى الشفاء رمز، وكان لي عدة محادثات هذا الأسبوع مع ضباط في الجيش الإسرائيلي، الذين قالوا لي: لسنا متأكدين من أننا نريد رفع علم على المستشفى”، مضيفاً (أي بن دافيد): “أنا أعتقد أن المجتمع الإسرائيلي يريد رؤية علم إسرائيل على مستشفى الشفاء. أي أن المجتمع الإسرائيلي يريد رؤية استسلام هذا المستشفى وكل المقارّ العسكرية من تحته. لذلك هناك خطط. هناك تخبط معيّن، ولكن القرار يجب أن يُتخذ”.

من جهتها، أفادت صحيفة “ذا ماركير” العبرية، أمس الجمعة، بأن المسؤولين الرسميين في إسرائيل، لا ينفون أنه تجري دراسة إمكانية تفجير أو قصف مستشفى الشفاء من الجو، على الرغم من وجود مرضى وفرق طبية وموظفين فيه وعشرات الآلاف من سكان غزة في محيط المجمّع.

ولفتت الصحيفة إلى أن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دانيال هغاري، أوضح بصوته رداً على سؤال عن هذا الموضوع أنه “في هذه الحرب، كل الخيارات مطروحة على الطاولة”.

من جانبه، قال المراسل العسكري في قناة 13، أور هيلر، إن “الجيش الإسرائيلي يزيد الضغط على المستشفيات ويريد إخلاءها، سواء مستشفى الرنتيسي أو مستشفى الشفاء المعروف أو غيرها من المشافي. دبابات الجيش الإسرائيلي موجودة هناك، والجيش يسيطر على عدة مواقع لحماس، والشعور السائد بعد أسبوعين من التوغل البري، هو أن الأمور تسير على نحو جيد رغم الثمن. هناك أثمان باهظة وصعبة. وبالمقابل، مقاتلون أقل من حماس يشتبكون مع قوات الجيش الإسرائيلي”، على حد زعمه.

وأضاف هيلر: ” في الجيش الاسرائيلي من يتحدثون عن سيناريو صدام حسين، بمعنى أنه في هذه المرحلة، وربما بعد ثلاثة أشهر من القضاء على حكم حماس، لن نستطيع أيضاً الوصول إلى المطلوب رقم واحد، يحيى السنوار (رئيس المكتب السياسي للحركة في غزة)، ولكن بعد أن نخرج (من غزة) ثم نعود، ونستمر على هذا المنوال، في المرحلة التالية، فإنه كما عُثِر على صدام حسين بعد عدة أشهر من الانتصار الأميركي في العراق عام 2003، وأخرجوه من حفرة، فهكذا يريدون في إسرائيل إخراج السنوار من الحفرة”.

“انتصار” بمشاهد الرايات البيضاء

إلى ذلك، يبحث الإسرائيليون عن مشاهد “النصر” في جميع مآسي الفلسطينيين، حتى أولئك النازحين، من أطفال ونساء وشيوخ وأبرياء ومدنيين آخرين من شمال القطاع جنوباً، جراء حرب الإبادة وسياسة الأرض المحروقة التي لا تستثني أحداً.

وتوقف الإعلام الإسرائيلي في الأيام الأخيرة، عند مشاهد التهجير المؤلمة، كباحث عن صورة انتصار، بالرايات البيضاء التي يرفعها النازحون، حتى لو كانوا مواليد جدداً، أبناء أيام معدودة في الحياة.

واعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية أن هذه المشاهد تجسد تجاوب الغزيين مع مطالب الاحتلال، بل زعم بعضها أن “هذا مؤشر على أن سكان غزة بدأوا يصدّقون جيش الاحتلال، ويشعرون بأنه يسيطر، فيما تفقد حماس السيطرة”.

وعلى الرغم من هذا تخرج أصوات من شمال القطاع، تؤكد صمود معظم المدنيين الغزيين فيه وعدم مغادرتهم رغم الخطر المحدق بحياتهم.

أطباء إسرائيليون يطالبون بقصف مستشفى الشفاء لكن لا عجب عند الحديث عمّا يرتكبه الاحتلال من مجازر بحق المدنيين، وجرائم تصفها الكثير من الجهات الدولية بأنها ترقى إلى جرائم حرب، فهناك أطباء إسرائيليون أيضاً يطالبون بتدمير مستشفى الشفاء، خالعين ثوب أخلاقيات المهنة التي ينتمون إليها.

وحرّض العشرات منهم، كما سبق أن نشر “العربي الجديد” قبل نحو أسبوع، الأجهزة الأمنية وصنّاع القرار في دولة الاحتلال، على تفجير وتدمير مستشفى الشفاء في قطاع غزة، بحسب ما أوردته مواقع إسرائيلية في حينه.

ووقّع عشرات الأطباء على رسالة موجهة إلى المسؤولين تطالب بتدمير المستشفى، قائلين: “يجب على أولئك الذين يخلطون بين المستشفيات والإرهاب أن يفهموا أن المستشفيات ليست مكاناً آمناً لهم. يجب القضاء على الإرهاب في كل مكان وبأي طريقة”.

وجاء في الرسالة: “بعد أن حذّر الجيش الإسرائيلي المستشفيات للتراجع عن الأمور التي تُستخدم لها، وبعد توفير سيارات إسعاف لجميع المتعالجين من أجل تلقي العلاج الطبي في جنوب قطاع غزة، فإنّ من واجب الجيش الإسرائيلي تدمير أعشاش الدبابير والمستشفيات التي تؤويها”، على حد زعمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى