مقالات

خطابُ نصر الله.. رسائل الى مُتلقّين كُثر

بقلم: حسام عبد الكريم*

ليست هذه المرة الاولى التي يجد فيها السيد حسن نصرالله نفسه امام ضغوط وتحديات كبيرة. بل هو اعتاد على ذلك خلال مسيرته الطويلة الممتدة على مدى ما يقرب من اربعة عقود في قيادة العمل الثوري الكفاحي المقاوم. لكن هذه الايام تكاد تكون من أشدها وطأة عليه. ضغطٌ هائلٌ كبير تنوء بحمله الجبال. فهو من ناحية يترأس الحزب المقاوم الذي نشأ ونما وكبر على فكرة مواجهة العدو الصهيوني وتحرير بيت المقدس, وسار على هذا الدرب طويلا وقدم قوافل الشهداء, وبالتالي لا يمكنه أبداً ترك فلسطين ومقاومتها تواجه مصيرها وحدها أمام هجوم جيش العبرانيين وتوحشهم, أي انه لا بد ان يتدخل ليكون المُنقذ ويفتح جبهة جهنم على الصهاينة من لبنان. وهذا ما يتوقعه جمهوره وانصاره. ولكنه في ذات الوقت يحمل همّ لبنان ومصير لبنان, البلد والشعب, في رقبته. وهو يعلم ان انخراطه في الحرب بكل قوته ستكون عواقبه على كل لبنان وليس حزب الله فقط. والصهاينة المجرمون اعلنوها اكثر من مرة وهددوا بأن ردّهم لن يُبقي حجراً على حجر في لبنان من شماله لجنوبه وقالوا ” سنعيد لبنان للعصر الحجري”. على السيد ان يجد الميزان الدقيق بين واجب المحافظة على استمرارية وسلامة المقاومة في فلسطين والمحافظة على بلده لبنان. بل يمكن القول ان محور المقاومة بأكمله, وعلى رأسه دولة ايران الكبيرة, يضع ثقته في السيد ويفوّضه ليتصرف ويقرر بالنيابة عنه حتى لو وصلت الامور الى اقصى غاياتها. وهذا يزيد من ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقه. خلاصة كلام السيد وخاتمته كانت ان كل الخيارات مفتوحة وان موقف الحزب يعتمد أساساً على التطورات في غزة. غموضٌ مقصودٌ كما قال هو, يحمل في طياته رسائل الى كل من يعنيه الامر.

الرسالة الاولى الى المقاومة في غزة. لن يتخلى الحزب عن واجباته تجاهها. ظهر ذلك من تأكيده ان الحزب منخرط بالفعل في المعركة من اليوم الاول , وإن بشكل تدرّجي ومدروس. والسيد اعلن بكل وضوح ان انتصار حماس هو هدف استراتيجي للحزب لن يحيد عنه. ولا شك ان المعنيين في قيادة حماس قد فهموا انه ما دامت المقاومة في غزة صامدة وبنيتها التحتية وقدرتها موجودة لم تدمّر فلن يندفع الحزب الى حرب مفتوحة ذات عواقب كارثية على لبنان. الحزب سوف يتدخل بكامل قوته اذا نجح الهجوم الاسرائيلي وصارت المقاومة, وبالتحديد كتائب القسام, معرضة لخطر الهزيمة والابادة. وفي تعقيبه على الخطاب, عبّر اسامة حمدان عن تفهم قيادة حماس لموقف الحزب واعتزازها بالتأييد الذي تتلقاه منه.

هذا الموقف ربما لم يلقَ استحساناً من بعض جمهور المقاومة في غزة وخارجها, وخصوصاً من جانب تيار الاخوان المسلمين في الاردن. وقد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات وتعليقات فيها اساءة للسيد نصرالله ولحزب الله واتهام له بالتقاعس. والذباب الالكتروني (السعودي), ومعهم اشخاص وجهات من خلفيّات سلفيّة, لعب دوراً في صب الزيت على النار وقام بانتاج عدد كبير من المواد المسيئة اختلطت مع منشورات بعض الغاضبين من انصار حماس.

الرسالة الثانية الى الداخل اللبناني. وهي من شقين. فجمهور المقاومة ومؤيدو الحزب لا شك شعروا بالراحة لأن الحزب لم ينجرف بشكل عاطفي للتدخل الشامل في الحرب وانه سلك طريقاً عقلانياً راعى فيه مصلحة الناس مجنّباً إيّاهم ويلات الحرب التي خبروها عام 2006. وهناك تأييد واسع جدا وتقدير لموقف السيّد في اوساط بيئة الحزب وحاضنته الشعبية. ولكن في ذات الوقت فإنهم بالتأكيد فهموا ان الحزب يضع خيار الحرب الشاملة نصب عينيه ولن يتردد في دخولها اذا تطلب الامر. وأما الخصوم في لبنان, وهم كثر, الذين لم ولن يعطوا تفويضاً للسيد نصرالله في شأن الحرب والسلم فهم ايضاً شعروا بالارتياح, ولو مؤقتاً, وأدركوا انه يضع مصلحة لبنان, الدولة والبلد, في اعتباره واولوياته وسيسعى الى تجنب الحرب الكبرى ما استطاع لذلك سبيلا.

الرسالة الثالثة الى العدو. ان حزب الله في منتهى الجهوزية والاستعداد, وهو ليس بعيدا عن غزة. هكذا فهمت المؤسسة العسكرية الامر. ورغم ان بعض المعلقين والمحللين الاسرائيليين مالوا للتقليل من شأن قوة خطاب نصرالله , بل واستهزأ بعضهم به, إلا أن القيادة العسكرية تصر على أخذ اقصى درجات الاحتياط وتعتبر انها قد تتعرض لهجوم كبير مباغت من جانب حزب الله وانه ربما يكون السيد يناور في كلامه (الهادئ نسبياً) من باب الخداع. ولذلك تواصل التحشيد العسكري على الحدود الشمالية الذي وصل الى حد تفريغ ثلث الجيش الاسرائيلي لجبهة لبنان, كما قال السيد.

والرسالة الاخيرة الى الامريكي. وكانت رسالة مزدوجة. نبرة السيد كانت عالية ومتحدية وهو يشير الى الاساطيل الامريكية في شرق المتوسط, وخصوصاً قوله ان بعض من أذاقوا الامريكيين الأمرّين في الثمانينات ما زالوا موجودين هم واولادهم واحفادهم. وهل ينسى الامريكيون ما حصل لقوات المارينز في بيروت ايام رونالد ريغان؟! وفي ذات الوقت لا شك ان الامريكيين فهموا من مجمل الخطاب انه لا يزال بالامكان الحيلولة دون الانفجار الكبير وانه بامكانهم الضغط على الاسرائيليين وايجاد مخرج لوقف الحرب قبل فوات الاوان. والامريكي طبعاً ليس من مصلحته رؤية الحرب في غزة تكبر وتتدحرج لتصبح حرباً اقليمية في المنطقة قد تضعها في مواجهة مباشرة مع ايران وتؤثر على استقرار حلفائها وشركائها وعلى الاقتصاد العالمي.

*كاتب من الاردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى